احتفالاً بالأداء العسكري المصري الممتاز، أصدر الأمير عمر طوسون، حفيد محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، وأحد الإصلاحيين الكبار في المحروسة، كتاباً بعنوان «الجيش المصري في الحرب الروسية المعروفة بحرب القرم»، عرض خلاله بالتفصيل حجم القوات المصرية المشاركة في الحرب، والمعارك التي خاضتها ضد القوات الروسية، إضافة إلى الشهادات التركية والأوروبية حول قدرات ومهارات الجندي المصري وحسن تدريبه.
يبدأ طوسون من الأسباب التي أدت إلى اندلاع حرب القرم، فيقول: «كانت روسيا تطمح بأنظارها إلى امتلاك الآستانة في كل وقت وزمن كما يعلم ذلك الخاص والعام، وكانت في كل فرصة ولو تافهة تسنح لها وتدنيها من قصدها، وهو شن الغارة على تركيا لتقتطع منها شيئًا من ممتلكاتها وتصل بذلك إلى تحقيق بغيتها؛ لا تحجم عن انتهازها والانقضاض عليها».
يتابع: «وقد كان الباعث الحقيقي على هذه الحرب مطامع القيصر نقولا الأول الموجهة نحو الآستانة، فقد تذرع هذا القيصر بشجار نشب بين الرهبان على أثر انتزاع قسس الإغريق المشمولين برعايته الروحية جملة أديرة لرهبان الأراضي المقدسة، فرفع هؤلاء شكواهم إلى السلطان عبد المجيد زاعمين أنهم مستظلون بحماية دولة فرنسا.. فعين السلطان لجنة مؤلفة من فرنسيين وإغريق وكلفها تحقيق هذا النزاع، وتحت تأثير ضغط القيصر أصدر السلطان فرمانًا روعي فيه مصلحة الإغريق، فشجع هذا العمل القيصر نقولا فأرسل إلى الآستانة الأمير منتشيكوف وأوعز إليه أن يطلب من الباب العالي الاعتراف بحماية القيصر لكافة المسيحيين الأغريق المقيمين في الإمبراطورية العثمانية، فأبى الباب العالي إجابة هذا الطلب.. وفي ٥ مايو سنة ١٨٥٣م قدم منتشيكوف إنذارًا نهائيًّا إلى الباب العالي ضمنه معنى هذا الطلب فصمم على رفضه وعلى ذلك أصدر القيصر نقولا أمرًا لجنوده بالزحف والإغارة على إمارتي الدانوب فاشتعلت نيران هذه الحرب».
أمام ذلك، طلب السلطان عبد المجيد «من عباس باشا الأول والي مصر أن يرسل نجدة من الجنود المصرية، فامتثل الوالي وأمر بتعبئة أسطول مكون من اثنتي عشرة سفينة مزودة ﺑ٦٤٢ مدفعًا و٦٨٥٠ جنديًّا بحريًّا بقياد أمير البحر المصري حسن باشا الإسكندراني، وتعبئة جيش بري بقيادة الفريق سليم فتحي باشا مؤلف من ستة ألايات مجموعها ١٩٧٢٢ جنديًّا، هذا عدا ما أرسله الوالي بعد ذلك من الجنود والمال لمساعدة الدولة في هذه الحرب».
وفقاً للأمير عمر طوسون، فإن معظم الجنود الذين أرسلوا لإغاثة الأتراك ضد روسيا، كانوا «من جنود الاحتياطي الذين خاضوا معامع القتال في سورية تحت إمرة إبراهيم باشا الكبير بن محمد علي باشا». أي أنهم أنفسهم الذين حاربوا الدولة العثمانية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، والآن انقلبوا إلى نجدتها.
في ٢١ رمضان سنة ١٢٦٩هـ/٢٨ يونية سنة ١٨٥٣، أمر عباس باشا الأول «بالإسراع في جمع أورط (فرق) هذه النجدة، وإرسالها أولًا فأول إلى الإسكندرية لتسافر منها بحرًا، وأن يصرف لكل فرد من ضباطها وعساكرها مرتب ثلاثة أشهر مقدمًا للإنفاق منها على حوائجهم الشخصية.. وعهد بقيادة العمارة البحرية المصرية أو الأسطول المصري في هذه الحرب إلى أمير البحر الفريق حسن باشا الإسكندراني، الذي كان أصله من مماليك محمد علي باشا ثم درس فنون البحرية بفرنسا؛ إذ كان تلميذًا في البعثة العلمية التي أرسلت إليها عام ١٨٢٦م، وكان هذا الأسطول مؤلفًا من اثنتي عشرة قطعة مختلفة الطول والحجم ومزودًا بالميرة والذخيرة». بينما عهدت قيادة الجيش البري إلى الفريق سليم فتحي باشا، أنبغ تلاميذ سليمان باشا الفرنساوي رئيس أركان حرب الجيش المصري في عهد محمد علي.
في ١٧ يوليو سنة ١٨٥٣، حشدت في الإسكندرية «خمسة ألايات من النجدة البرية الأولى المسافرة إلى الآستانة». وبعد بضعة أيام من هذا التاريخ، «حشد الألاي السادس من النجدة البرية الأولى». وقبل إبحار الجميع، «قدم عباس باشا إلى الإسكندرية لاستعراضها. وخطب في الجنود حاثًّا إياهم على القيام بالواجب؛ ليشرفوا بلدهم ويرفعوا رأسه ويشرفوا أيضًا قدر أنفسهم».
استغرقت رحلة الجيش المصري إلى تركيا «حوالي ثلاثة أسابيع؛ لأن الأسطول رسا في عدة مرافئ في طريقه ليمتار ماء وزادا، ووصل الآستانة يوم الأحد ١٤ أغسطس سنة ١٨٥٣». يتابع عمر طوسون: «وعندما وصل جنود هاتين النجدتين (البرية والبحرية) إلى الآستانة استقبلهم سعادة محمد علي باشا سر عسكر الجيش التركي، وسعادة محمود باشا أمير العمارة البحرية التركية، وسعادة المشير محمد باشا قائد حرس السلطان، ولما نزلت الجيوش من السفن أوصلوها إلى (بيكوس) القائمة على البسفور في معسكر أُعد لها بأمر السلطان عبد المجيد زُود بالأطعمة والطهاة».
أثار المكان الذي اختاره السلطان العثماني لإقامة معسكر الجيش المصري في تركيا، الكثير من المشاعر في نفوس المصريين، إذ كان هو نفسه البقعة التي عسكر فيها الروس أثناء الحرب المصرية - التركية، وكانوا وقتها يحاربون لمعاونة الأتراك ضد الجيش المصري الآتي من سوريا جنوباً. يقول عمر طوسون: «ومن الاتفاق العجيب أن هذا الموضع الذي نزلوا فيه هو نفس الموضع الذي كان يعسكر فيه الجيش الروسي من عشرين سنة مضت؛ بناءً على استدعائه من قبل السلطان محمود ليعاونه في الحيلولة دون تقدم جيش إبراهيم باشا الظافر إلى الآستانة، وأن مضارب القواد المصريين نصبت قرب الحجر الذي نصب تخليدًا لذكرى إقامة الجيوش الروسية في هذا المكان، وهكذا شاء القدر أن يعكس الحال في هذه المرة فجعل الجنود المصرية يحلون محل الجنود الروسية في هذا المكان، ويحاربون مع الدولة هؤلاء الجنود الذين حاربوهم معها».
وقد اهتم طوسون بترجمة نص تقرير نشرته جريدة The Illustrated London News البريطانية حول هبوط الجيش المصري بالبر التركي في ٣ سبتمبر سنة ١٨٥٣، ركز صاحبه على مشاعر البهجة التي ضربت إسطنبول بعد التأكد من وصول النجدة العسكرية المصرية. يقول التقرير الذي ترجمه طوسون إلى العربية: «أحدث قدوم الأسطول المصري إلى مياه الآستانة في يوم الأحد ١٤ الشهر الماضي (أغسطس) هزة فرح وضجة انشراح، وقد جر كل صنف من البوارج باخرتين لإدخال الأسطول في مياه البوسفور، فمر أمام المدينة ثم سار في بوغاز البوسفور حتى بلغ المعسكر المقابل لـ طرابية، وقد تبادل التحية عند وصوله إزاء السراي السلطاني، وأيضًا لما صار على مرأى من الأسطول التركي».
كان السلطان العثماني عبد المجيد الأول مهتماً بزيارة المعسكر المصري بنفسه. يقول طوسون: «بعد أن استراحت الجيوش المصرية من عناء السفر شرفها السلطان عبد المجيد بزيارته وعرضه لها، على حين أنه لم يحدث أنه شرف نفس جيوشه مطلقًا بمثل هذا التكريم لا عند ذهابها للحرب، ولا عند عودتها منها، والفرح الذي شمل الجيوش المصرية لدى رؤية الخليفة جاوز كل حد، وأنساها جميع متاعب السفر ومشاقه، وكان كلما انتقل جلالته بين صفوفهم صاحوا هاتفين له بالدعاء.. وأنعم السلطان على كل قائد من القواد بعلبة للتبغ مرصعة بالماس، وعلى كل ضابط وصف ضابط براتب شهر».
وإذا كان طوسون يحتفي بزيارة السلطان للجيش المصري، فإنه لم ينسى التذكير بأن المعسكر نفسه الذي كرم فيه المصريون، شهد قبل عقدين من الزمان، تكريم السلطان محمود الثاني للجيش الروسي الذي كان مطالباً بالتصدي لهجوم الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا. يقول طوسون: «ومن غرائب الاتفاق أيضًا أن سلفه السلطان محمود قبل ذلك بعشرين سنة وزع في هذا الموضع عينه أوسمة على الجيش الروسي الذي كان معسكرًا فيه؛ ليصد نفس هذه العساكر المصرية إذا تقدمت نحو الآستانة».
تعليقات
إرسال تعليق
اكتب تعليقك أو إذا كان لديك أي استفسار